يا ذَا الَّذِي مَا كفاهُ الذَّنْبُ في رَجبٍ حَتَّى عَصَى ربَّهُ في شهر شعبانِ
لَقَدْ أظَلَّكَ شهرُ الصَّومِ بَعْدَهُمَا فَلاَ تُصَيِّرْهُ أَيْضاً شَهْرَ عِصْيانِ
شارف شعبان على الرحيل .. و انطوت أيامه بما تحويه من حلوٍ و مر .. !
وهاهم الناس يرفعون بصرهم إلى السماء .. ينتظرون مقدم الضيف الذي لا طالما انتظروا بزوغ مدلولات قدومه منذ أن ودّعهم في السنة الماضية ، و الناس على ذلك منذ أن فرض الله عليهم الصيام في السنة الثانية من الهجرة ، و قد صام النبي صلى الله عليه وسل تسع رمضانات ..
و كانت الفرضية على مرحلتين وهما التخيير بين الصيام و الإطعام مع تفضيل الصيام بدليل نص الكتاب " وَعَلَىَ الَّذِيْنَ يُطِيْقُوْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِيْنٍ " . و مرحلة تعيين الصيام و جوبه بدون تخيير كما في نص السنة المطهرة : " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " ..
و حتى يجب علينا الصيام لابد من ثبوت دخول الشهر ، فلا وجوب قبل دخول الشهر لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم : " لا يَتَقَدمنَّ أحَدُكم رمضانَ بصوم يومٍ أو يومينِ إلاَّ أنْ يكونَ رجلٌ كانَ يصومُ صَوْمَهُ فلْيصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ»، رواه البخاري.
يتعين دخول الشهر بأحد أمرين :
الأمر الأول : إما برؤية الهلال لقوله تعالى : " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ " و قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُوْمُوْا " متفق عليه .
" و يُشْتَرطُ لقبولِ الشَّهَادةِ بالرُّؤْيةِ أن يكونَ الشاهِدُ بَالِغاً عاقلاً مسلماً مَوثُوقاً بخبرهِ لأمانته وَبصرهِ " ابن عثيمين .
الأمر الثاني : بإتمام شعبان ثلاثين يومًا ، أما إن حال الغيم دون ذلك فإنه يجب الاحتياط و الظن فقد أختلف في صيامه أو فطره لكونه يوم شك فمنهم من قال بتحريمه و منهم من قال بوجوبه و البعض قال أنه مباح لا مكروه ولا محرم و لا مستحب .
و الراجح من أقوال العلماء ما قاله الشيخ العثيمين : " وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ هُوَ الْتَّحْرِيْمُ، وَلَكِنْ إِذَا رَأَىَ الْإِمَامُ وُجُوْبِ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ، وَأَمَرَ الْنَّاسَ بِصَوْمِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَابِذَ، وَيَحْصُلُ عَدَمِ مُنَابَذَتِهِ بِأَلَا يُظْهِرُ الْإِنْسَانَ فِطْرِهِ، وَإِنَّمَا يُفْطِرُ سَرَّا. وَالْمَسْأَلَةُ هُنَا لَمْ يَثْبُتْ فِيْهَا دُخُوْلِ الْشَّهْرِ، أَمَّا لَوْ حَكَمَ وَلِيٍّ الْأَمْرِ بِدُخُوْلِ الْشَّهْرِ فَالصَّوْمُ وَاجِبٌ" .
أما كون خروجه في بلاد من البلدان دون الأخرى : فإن من تمام وحدة المسلمين و ترابطهم أن يكون الترائي واحدًا فإن رأه أحدهم في أمريكيا فإنه يجب على مسلمي الصين الصيام و إن تباعدت مطالع الهلال
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة بالفلك، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلا فلا، واستدلوا بالنص والقياس.
بمعنى أن القياس قد لا يوجب على بلاد من البلدان الصيام إن لم يثبت لساكنيها رؤية الهلال أو ما يدل على وجوب الصيام .
ولهذا قال أهل العلم: إِذَا رَآَهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَجَبَ عَلَىَ أَهْلَ الْمَغْرِبِ الْمُسَاوِيْنَ لَهُمْ فِيْ الْخَطِّ أَنَّ يَصُوْمُوْا ؛ لأن المطالع متفقة، ولأن الهلال إذا كان متأخراً عن الشمس في المشرق فهو في المغرب من باب أولى؛ لأن سير القمر بطيء كما قال الله تعالى: {{وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا *}}.
وإذا رآه أهل المغرب هل يجب الصيام على أهل المشرق؟ الجواب: لا؛ لأنه ربما في سير هذه المسافة تأخر القمر.
و على كلٍ فإن الناس في كل بلد من البلدان تبعًا للإمام إذا صام صاموا، وإذا أفطر أفطروا، ولو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة، ثم حكم الخليفة بالثبوت لزم من تحت ولايته في مشارق الأرض أو مغاربها، أن يصوموا أو يفطروا لئلا تختلف الأمة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرق.
أما المسلمين القاطنين في الأقليات الإسلامية فإن كان لديهم رابطة إسلامية أو مركز فعليهم إتباع ما يصدر منها و إذا لم يكن كذلك، فإنها تخيَّر، والأحسن أن تتبع أقرب بلد إليها.
المصادر بتصرف:
• كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد السادس للشيخ ابن عثيمين .
• مجالس شهر رمضان للشيخ ابن عثيمين .
ˇq3

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق